العيني
209
عمدة القاري
الثانية بأنه تأكيد لها . قوله : ( وعمار ) أي : يحمل عمار بن ياسر لبنتين لبنتين . زاد معمر في روايته : ( لبنة عنه ولبنة عن رسول ا ) . وفيه زيادة أيضاً لم يذكرها البخاري ، ووقعت عند الإسماعيلي وأبي نعيم في ( المستخرج ) من طريق خالد الواسطي : عن خالد الحذاء ، وهي : ( فقال النبي : يا عمار أَلاَّ تحمل كما يحمل أصحابك ؟ قال : إني أريد من ا الأجر ) . قوله : ( فرآه النبي ) ، الضمير المنصوب فيه يرجع إلى عمار . قوله : ( فنفض التراب عنه ) ، ويروى : ( فينفض التراب عنه ) ، وفيه التعبير بصيغة المضارع في موضع الماضي لاستحضار ذلك في نفس السامع كأنه شاهده ، وفي رواية الكشميهني : ( فجعل ينفض التراب عنه ) . وفي لفظ للبخاري في باب الجهاد : ( عن رأسه ) ، وكذا في رواية مسلم . قوله : ( ويح عمار ) ، كلمة : ويح ، كلمة رحمة كما أن كلمة : ويل ، كلمة عذاب . تقول : ويح لزيد وويل له ، برفعهما على الابتداء ، ولك أن تقول : ويحاً لزيد وويلاً له ، فتنصبهما بإضمار فعل ، وأن تقول : ويحك وويح زيد ، وويلك وويل زيد ، بالإضافة فتنصب أيضاً بإضمار الفعل ، وههنا بنصب الحاء لا غير . قوله : ( الفئة ) هي الجماعة : و : ( الباغية ) هم الذين خالفوا الإمام وخرجوا عن طاعته بتأويل باطل ظناً بمتبوع مطاع . قوله : ( يدعوهم ) أي : يدعو عمار الفئة الباغية وهم الذين قتلوه في وقعة صفين ، وأعيد الضمير إليهم ، وهم غير مذكورين صريحاً . قوله : ( إلى الجنة ) أي : إلى سببها ، وهي الطاعة . كما أن سبب النار هو المعصية . قوله : ( ويدعونه إلى النار ) ، أي : يدعو هؤلاء الفئة الباغية عمارًا إلى النار . فإن قيل : كان قتل عمار بصفين ، وكان مع علي رضي ا تعالى عنه ، وكان الذين قتلوه مع معاوية ، وكان معه جماعة من الصحابة فكيف يجوز أن يدعوه إلى النار ؟ فأجاب ابن بطال عن ذلك فقال : إنما يصح هذا في الخوارج الذين بعث إليهم علي عماراً يدعوهم إلى الجماعة ، وليس يصح في أحد من الصحابة لأنه لا يجوز أن يتأول عليهم إلاَّ أفضل التأويل . قلت : تبع ابن بطال في ذلك المهلب ، وتابعه على ذلك جماعة في هذا الجواب ، ولكن لا يصح هذا ، لأن الخوارج إنما خرجوا على علي رضي ا تعالى عنه ، بعد قتل عمار بلا خلاف بين أهل العلم بذلك ، لأن ابتداء أمرهم كان عقيب التحكيم بين علي ومعاوية ، ولم يكن التحكيم إلاَّ بعد انتهاء القتال بصفين ، وكان قتل عمار قبل ذلك قطعاً ، وأجاب بعضهم بأن المراد بالذين يدعونه إلى النار كفار قريش ، وهذا أيضاً لا يصح ، لأنه وقع في رواية ابن السكن وكريمة وغيرهما زيادة توضيح بأن الضمير يعود على قتلة عمار ، وهم أهل الشام . وقال الحميدي : لعل هذه الزيادة لم تقع للبخاري ، أو وقعت فحذفها عمداً ولم يذكرها في الجمع . قال : وقد أخرجها الإسماعيلي والبرقاني في هذا الحديث ، والجواب الصحيح في هذا أنهم كانوا مجتهدين ظانين أنهم يدعونه إلى الجنة ، وإن كان في نفس الأمر خلاف ذلك ، فلا لوم عليهم في اتباع ظنونهم ، فإن قلت : المجتهد إذا أصاب فله أجران ، وإذا أخطأ فله أجر ، فكيف الأمر ههنا . قلت : الذي قلنا جواب إقناعي فلا يليق أن يُذكر في حق الصحابة خلاف ذلك ، لأن ا تعالى أثنى عليهم وشهد لهم بالفضل ، بقوله : * ( كنتم خير أمة أُخرجت للناس ) * ( آل عمران : 011 ) ، قال المفسرون : هم أصحاب محمد . ذكر ما يستنبط منه من الفوائد فيه : أن التعاون في بنيان المسجد من أفضل الأعمال لأنه مما يجري للإنسان أجره بعد موته ، ومثل ذلك حفر الآبار وكري الأنهار وتحبيس الأموال التييعم العامة نفعها . وفيه : الحث على أخذ العلم من كل أحد وإن كان الآخذ أفضل من المأخوذ منه ، ألا ترى أن ابن عباس مع سعة علمه أمر ابنه علياً بالأخذ عن أبي سعيد الخدري ؟ قيل : يحتمل أن يكون إرسال ابن عباس إليه لطلب علو الإسناد ، لأن أبا سعيد أقدم صحبة وأكثر سماعاً من النبي . قلت : مع هذا لا ينافي ذلك ما ذكرناه . وفيه : أن العالم له أن يتهيأ للحديث ويجلس له جلسة . وفيه : ترك التحديث في حالة المهنة إعظاماً للحديث وتوقيراً لصحابه . وهكذا كان السلف . وفيه : أن للإنسان أن يأخذ من أفعال البر ما يشق عليه إن شاء كما أخذ عمار لبنتين . وفيه : إكرام العامل في سبيل ا والإحسان إليه بالفعل والقول . وفيه : علامة النبوة لأنه أخبر بما يكون فكان كما قال . وفيه : إصلاح الشخص : بما يتعلق بأمر ديناه كإصلاح بستانه وكرمه بنفسه وكان السلف على ذلك لأن فيه إظهار التواضع ودفع الكبر وهما من أفضل الأعمال الصالحة . وفيه : فضيلة ظاهرة لعلي وعمار ، ورد على النواصب الزاعمين أن علياً لم يكن مصيباً في حروبه . وفيه : استحباب الاستعاذة من الفتن لأنه لا يدري أحد في الفتنة أمأجور هو أم مأزور ؟ إلاَّ بغلبة الظن ، ولو كان مأّوراً لما استعاذ عمار من الأجر .